تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٤ - مكاشفة
قوله عز و جلّ: [سورة الحديد (٥٧): آية ١١]
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
قرء: فيضعفه. و قرئا منصوبين على جواب الاستفهام، و بالرفع عطفا على «يقرض» أو على الخبرية، أي: فهو يضاعفه.
قد شبّه تعالى الإنفاق في سبيله بالقرض الحسن، فأطلق هذا اللفظ عليه مجازا لعلاقة المشابهة من إعطاء شيء و أخذ شيء لغرض الإحسان.
فيضاعفه له ٨٨- أي: يعطيه اللّه أجره على إنفاقه مضاعفا بأضعاف من رحمته وجوده و له أجر كريم في نفسه و قد ضمّ إليه الأضعاف.
مكاشفة
القرض الحسن عند أهل اللّه و العرفاء أن ينفق الإنسان في طريق معرفة اللّه و سبيل ملكوته و التفكر في آيات جبروته مواده الدماغيّة و أرواحه النفسانية و قواه الطبيعية التي هي أعزّ نقود هذه البلدة و أجناسها، ليعوضّ عنها و يحصل في قلبه من نفائس الأثمار المعنوية و شرائف نقود المعارف الإلهية التي بها يصير الإنسان من أكابر الآخرة و أغنيائها، فائقا على الأشباه و الأقران، متخلّصا من سجن الحسرة و الحرمان، و فاقة الجهل و النقصان.
فاللّه تعالى حيث هيّأ أسباب المعرفة و العبادة للناس سيّما ذوي البصائر و الأكياس فكأنه أراد منهم هذا القرض الحسن و وعد إياهم بتضعيف أجرهم، و أخبر أن هذا الأجر كريم في نفسه، لأن المعارف الربانية جليلة عظيمة، لأن شرف العلم و كرامته بنسبة شرف المعلوم و كرامته، و ليس في الوجود ما هو أكرم و أشرف من ذات المعبود و صفاته و أسمائه و أفعاله، فالسعي في طريقة وصوله و الإنفاق في ابتغاء وجهه يكون شريفا كريما أيضا لأن وسيلة الشيء يناسب له.